الحاج حسين الشاكري
100
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
الصادقة ، تتجلّى فيها أعمق معاني الخشوع وأورعها ، أو ليست العبادة إلاّ الخشوع والنبل ؟ وكلّما ازدادت المعرفة باللّه سبحانه وتعالى ازداد العمق العبادي . يقول مالك بن أنس : كان الإمام جعفر بن محمد [ الصادق ( عليه السلام ) ] لا يخلو من إحدى ثلاث خصال : إمّا صائماً ، وإمّا قائماً ، وإمّا ذاكراً ، وكان من عظماء العبّاد [ في عصره بالتهجّد والتبتّل ، وكان من ] أكابر الزهّاد [ في الدنيا ] الذين يخشون اللّه عزّ وجلّ ، وقد حججت معه سنة فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام ، كان كلّما همّ بالتلبية [ تلجلج و ] انقطع الصوت في حلقه وكاد أن يخرّ من راحلته . وقال مالك : ما رأت عين ، ولا سمعت أُذن ، ولا خَطَرَ على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق علماً وعبادة . وقال ابن طلحة في مطالب السؤول : ذو علوم جمّة ، وعبادة موفورة ، وأوراد متواصلة ، يقسّم أوقاته على أنواع الطاعات . وعن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد اللّه [ الصادق ] يقول وهو رافع يده إلى السماء : ربّ لا تكِلني إلى نفسي طرفة عين أبداً ، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر ، فما كان بأسرع من أن تحدّرت الدموع من جوانب لحيته . ثمّ أقبل عليّ فقال : يا ابن أبي يعفور ، إنّ يونس بن متّى وكله اللّه إلى نفسه أقلّ من طرفة عين ، فأحدث ذلك الذنب . قلت : فبلغ كفراً أصلحك اللّه ؟ قال : لا ، ولكنّ الموت على تلك الحال هلاك . وفي هذا الحديث يتجلّى لنا عمق المعرفة التي كانت تنطوي عليها روح الإمام ، فينطلق لسانه في تبتّل خاشع بتلك الكلمات المفعمة بالإيمان ، والتي بالأحرى هي دموع المعرفة الصادقة .